النويري
23
نهاية الأرب في فنون الأدب
وسلم ، فجمعهم ونادى : « أيتها الحيات والسباع ، نحن أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، ارحلوا عنّا إنا نازلون . ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه » . فنظر الناس في ذلك اليوم إلى السباع تحمل أشبالها ، والذئاب تحمل أجراءها ، والحيات تحمل أولادها . فأسلم كثير من البربر . ونادى عقبة في الناس « كفّوا عنهم حتى يرتحلوا عنا » . فلما خرج ما فيها من ذلك ، جمع عقبة وجوه أصحابه ودار بهم حول المكان وأقبل يدعو اللَّه ويقول : « اللهم املأها علما وفقها ، واعمرها بالمطيعين والعابدين ، وامنعها من جبابرة الأرض » . ثم نزل عقبة الوادي . وأمر الناس أن يختطوا ويقلعوا الشجر . قال : فأقام أهل إفريقية بعد ذلك أربعين سنة لا يرون بها حية ولا عقربا . قال : واختط دار الإمارة والمسجد الأعظم ، ولم يحدث فيه بناء ، وكان يصلى فيه وهو كذلك . فاختلف الناس في القبلة وقالوا : « إن أهل الغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد ، فاجهد نفسك في أمرها » . فأقاموا مدة ينظرون إلى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشارق الشمس . فلما رأى عقبة الاختلاف اهتم لذلك وسأل اللَّه تعالى ، فأتاه آت في منامه فقال له : « يا ولىّ رب العالمين ، إذا أصبحت فخذ اللواء واجعله على عنقك ، فإنك تسمع بين يديك تكبيرا لا يسمعه غيرك . فالموضع الذي ينقطع عنك التكبير فهو قبلتك ومحرابه مسجدك « 1 » . وقد رضى اللَّه عز وجل أمر هذه المدينة وهذا المسجد . وسوف يعزّ بها دينه ويذل بها من كفره إلى آخر الدهر » . فاستيقظ من منامه وقد جزع جزعا شديدا . فتوضأ وأخذ في
--> « 1 » ر : ومحراب مسجدك .